فصل: كِتَابُ الْإِبَاقِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهَا:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهَا فَنَقُولُ- وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ-: إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ فَإِنَّهُ يُعَرِّفُهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» حِينَ سُئِلَ عَنْ اللُّقَطَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: إنِّي وَجَدْت لُقَطَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا فَقَالَ: عَرِّفْهَا سَنَةً وَرَوَيْنَا عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِتَعْرِيفِ الْبَعِيرِ الضَّالِّ.
ثُمَّ نَقُولُ: الْكَلَامُ فِي التَّعْرِيفِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا فِي مُدَّةِ التَّعْرِيفِ وَالثَّانِي فِي بَيَانِ مَكَانِ التَّعْرِيفِ أَمَّا مُدَّةُ التَّعْرِيفِ: فَيَخْتَلِفُ قَدْرُ الْمُدَّةِ لِاخْتِلَافِ قَدْرِ اللُّقَطَةِ إنْ كَانَ شَيْئَا لَهُ قِيمَةٌ تَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا يُعَرِّفُهُ حَوْلًا، وَإِنْ كَانَ شَيْئًا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ عَشَرَةٍ يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى.
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ التَّعْرِيفُ عَلَى خَطَرِ الْمَالِ إنْ كَانَ مِائَةً وَنَحْوَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً، وَإِنْ كَانَ عَشَرَةً وَنَحْوَهَا عَرَّفَهَا شَهْرًا، وَإِنْ كَانَ ثَلَاثَةً وَنَحْوَهَا عَرَّفَهَا جُمُعَةً أَوْ قَالَ عَشَرَةً، وَإِنْ كَانَ دِرْهَمًا وَنَحْوَهُ عَرَّفَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَإِنْ كَانَ دَانَقًا وَنَحْوَهُ عَرَّفَهُ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ تَمْرَةً أَوْ كِسْرَةً تَصَدَّقَ بِهَا وَإِنَّمَا تَكْمُلُ مُدَّةَ التَّعْرِيفِ إذَا كَانَ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ فَإِنْ خَافَ الْفَسَادَ لَمْ تَكْمُلْ وَيَتَصَدَّقُ بِهَا وَأَمَّا مَكَانُ التَّعْرِيفِ فَالْأَسْوَاقُ وَأَبْوَابُ الْمَسَاجِدِ؛ لِأَنَّهَا مَجْمَعُ النَّاسِ وَمَمَرُّهُمْ فَكَانَ التَّعْرِيفُ فِيهَا أَسْرَعَ إلَى تَشْهِيرِ الْخَبَرِ، ثُمَّ إذَا عَرَّفَهَا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَتُقَامُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا مِلْكُهُ أَخَذَهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ» وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ الْعَلَامَةَ بِأَنْ وَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَوَزْنَهَا وَعَدَدَهَا يَحِلُّ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ بِالْعَلَامَةِ مِمَّا قَدْ وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا فِي اللَّقِيطِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ وَهُنَا لَا يُجْبَرُ.
لِأَنَّ هُنَاكَ يُجْبَرُ عَلَى الدَّفْعِ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى فَمَعَ الْعَلَامَةِ أَوْلَى، وَهُنَا لَا عِبْرَةَ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى بِالْإِجْمَاعِ فَجَازَ أَنْ لَا يُجْبَرَ عَلَى الدَّفْعِ مَعَ الْعَلَامَةِ وَلَكِنْ يَحِلُّ لَهُ الدَّفْعُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ كَفِيلًا لِجَوَازِ مَجِيءِ آخَرَ فَيَدَّعِيهَا وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ، ثُمَّ إذَا عَرَّفَهَا وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُهَا مُدَّةَ التَّعْرِيفِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا إلَى أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهَا، وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا عِنْدَنَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- إذَا عَرَّفَهَا حَوْلًا وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، وَتَكُونُ قَرْضًا عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ اللُّقَطَةِ «عَرِّفْهَا حَوْلًا فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» وَهَذَا إطْلَاقُ الِانْتِفَاعِ لِلْمُلْتَقِطِ مِنْ غَيْرِ السُّؤَالِ عَنْ حَالِهِ أَنَّهُ فَقِيرٌ أَوْ غَنِيٌّ، بَلْ إنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَحِلُّ اللَّقَطُ فَمَنْ الْتَقَطَ شَيْئًا فَلْيُعَرِّفْهُ سَنَةً فَإِنْ جَاءَهُ صَاحِبُهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَلْيَتَصَدَّقْ» وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ نَفَى الْحِلَّ مُطْلَقًا، وَحَالَةُ الْفَقْرِ غَيْرُ مُرَادَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ حَالَةُ الْغِنَى وَالثَّانِي أَنَّهُ أَمَرَ بِالتَّصَدُّقِ وَمَصْرِفُ الصَّدَقَةِ الْفَقِيرُ دُونَ الْغَنِيِّ وَأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمَالِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ إذَا كَانَ غَنِيًّا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ: فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَشَأْنُك بِهَا إرْشَادٌ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْحِفْظِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ شَأْنَهُ الْمَعْهُودَ بِاللَّقَطِ إلَى هَذِهِ الْغَايَةِ أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى هَذَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ صِيَانَةً لَهُمَا عَنْ التَّنَاقُضِ وَإِذَا تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَمْضَى الصَّدَقَةَ وَلَهُ ثَوَابُهَا، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُلْتَقِط أَوْ الْفَقِيرَ إنْ وَجَدَهُ؛ لِأَنَّ التَّصَدُّقَ كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى إجَازَتِهِ وَأَيُّهُمَا ضَمِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ كَمَا فِي غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَإِنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا خَيَّرَهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَبَيْنَ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ غَنِيًّا جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَبِيهِ وَابْنِهِ وَزَوْجَتِهِ إذَا كَانُوا فُقَرَاءَ، وَكُلُّ جَوَابٍ عَرَفْتَهُ فِي لُقَطَةِ الْحِلِّ فَهُوَ الْجَوَابُ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِلُقَطِ الْحِلِّ مِنْ التَّعْرِيفِ وَغَيْرِهِ وَهَذَا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- لُقَطَةُ الْحَرَمِ تُعَرَّفُ أَبَدًا وَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِحَالٍ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي صِفَةِ مَكَّةَ: «وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ» أَيْ لِمُعَرِّفٍ فَالْمُنْشِدُ الْمُعَرِّفُ وَالنَّاشِدُ الطَّالِبُ وَهُوَ الْمَالِكُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا تَحِلُّ لُقَطَةُ الْحَرَمِ إلَّا لِلتَّعْرِيفِ.
(وَلَنَا) مَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلَائِلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ: إنَّهُ لَا يَحِلُّ الْتِقَاطُهَا إلَّا لِلتَّعْرِيفِ وَهَذَا حَالُ كُلِّ لُقَطَةٍ إلَّا أَنَّهُ خَصَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لُقَطَةَ الْحَرَمِ بِذَلِكَ، لِمَا لَا يُوجَدُ صَاحِبُهَا عَادَةً فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذَا لَا يُسْقِطُ التَّعْرِيفَ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الضَّالَّةِ فِي جَمِيعِ مَا وَصَفْنَا، وَتَنْفَرِدُ بِحُكْمٍ آخَرَ وَهُوَ النَّفَقَةُ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ الْقَاضِي يَكُونُ دَيْنًا عَلَى مَالِكِهَا وَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ بَهِيمَةً يُحْتَمَلُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ أَمَرَهُ بِأَنْ يُؤَاجِرَهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا مِنْ أُجْرَتِهَا نَظَرًا لِلْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لَا يُحْتَمَلُ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ وَخَشِيَ أَنْ لَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَغْرِقَ النَّفَقَةُ قِيمَتَهَا أَمَرَهُ بِبَيْعِهَا وَحِفْظِ ثَمَنِهَا مَقَامَهَا فِي حُكْمِ الْهَلَاكِ وَإِنْ رَأَى الْأَصْلَحَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا بَلْ يُنْفِقُ عَلَيْهَا أَمَرَهُ بِأَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا لَكِنْ نَفَقَةً لَا تَزِيدُ عَلَى قِيمَتِهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَى صَاحِبِهَا حَتَّى إذَا حَضَرَ يَأْخُذُ مِنْهُ النَّفَقَةَ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ اللُّقَطَةَ بِالنَّفَقَةِ كَمَا يَحْبِسُ الْمَبِيعَ بِالثَّمَنِ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يُؤَدِّي النَّفَقَةَ بَاعَهَا الْقَاضِي وَدَفَعَ إلَيْهِ قَدْرَ مَا أَنْفَقَ- وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.كِتَابُ الْإِبَاقِ:

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي تَفْسِيرِ الْآبِقِ، وَفِي بَيَانِ حَالِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِهِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ مَالِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَالْآبِقُ اسْمٌ لِرَقِيقٍ يَهْرَبُ مِنْ مَوْلَاهُ وَأَمَّا حَالُهُ فَحَالُ اللُّقَطَةِ قَبْلَ الْأَخْذِ وَبَعْدَهُ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفَاصِيلَهُ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِالْآبِقِ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ-: إذَا أُخِذَ الْآبِقُ لِصَاحِبِهِ فَإِنْ شَاءَ الْآخِذُ أَمْسَكَهُ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَجِيءَ فَيَأْخُذَهُ، وَإِنْ شَاءَ ذَهَبَ بِهِ إلَى صَاحِبِهِ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْسَكَهُ فَجَاءَ إنْسَانٌ وَادَّعَى أَنَّهُ عَبْدُهُ فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ دَفَعَهُ إلَيْهِ وَأَخَذَ مِنْهُ كَفِيلًا إنْ شَاءَ لِجَوَازِ أَنْ يَجِيءَ آخَرُ فَيَدَّعِيه وَيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْثِقَ بِكَفِيلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَكِنْ أَقَرَّ الْعَبْدُ بِذَلِكَ دَفَعَهُ إلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ ادَّعَى شَيْئًا لَا يُنَازِعُهُ فِيهِ أَحَدٌ فَيَكُونُ لَهُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ كَفِيلًا إنْ شَاءَ لِمَا قُلْنَا وَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الْقَاضِي يَرْجِعُ بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَطَوِّعًا فَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَلَمْ يَجِئْ لَهُ طَالِبٌ بَاعَهُ الْقَاضِي وَأَخَذَ ثَمَنَهُ يَحْفَظُهُ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حِفْظٌ لَهُ مَعْنًى، فَإِنْ بَاعَهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ ثُمَّ جَاءَ إنْسَانٌ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ عَبْدُهُ دَفَعَ الثَّمَنَ إلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ مِنْ الْقَاضِي صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ حِفْظِ مَالِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَبِعْ لَأَتَتْ النَّفَقَةُ عَلَى جَمِيعِ قِيمَتِهِ فَيَضِيعُ الْمَالُ فَكَانَ بَيْعُهُ حِفْظًا لَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَالْقَاضِي يَمْلِكُ مَالَ الْغَائِبِ؛ وَلِهَذَا يَبِيعُ مَا يَتَسَارَعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ.
وَلَوْ زَعَمَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ قَدْ كَانَ دَبَّرَهُ أَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يُصَدَّقْ فِي نَقْضِ الْبَيْعِ لِمَا قُلْنَا وَيُنْفِقُ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ إيَّاهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ثُمَّ إذَا جَاءَ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ مِنْ ثَمَنِهِ إنْ بَاعَهُ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ عَلَيْهِ إحْيَاءُ مَالِهِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ وَإِذَا جَاءَ بِالْآبِقِ لَهُ أَنْ يُمْسِكَهُ بِالْجُعْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَاءَ بِهِ فَقَدْ اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ عَلَى مَالِكِهِ فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِهِ بِالْجُعْلِ كَمَا يُحْبَسُ الْمَبِيعُ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ.
وَلَوْ هَلَكَ فِي حَالِ الْحَبْسِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لَكِنْ يَسْقُطُ الْجُعْلُ كَمَا لَا ضَمَانَ عَلَى الْبَائِعِ بِهَلَاكِ الْمَبِيعِ الْمَحْبُوسِ بِالثَّمَنِ، لَكِنْ يَسْقُطُ الثَّمَنُ عَنْ الْمُشْتَرِي.
وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي فِي الرَّقِيقِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يُقْبَلُ فِي الْعَبْدِ وَلَا يُقْبَلُ فِي الْجَارِيَةِ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ الْقَاضِي فِي بَيَانِ شَرَائِطِ قَبُولِ كِتَابِ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي.

.فَصْلٌ: بَيَانُ حُكْمِ مَالِ الْآبِقِ:

وَأَمَّا بَيَانُ حُكْمِ مَالِهِ فَهُوَ اسْتِحْقَاقُ الْجُعْلِ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا وَالْكَلَامُ فِي الْجُعْلِ فِي مَوَاضِعَ فِي بَيَانِ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ وَفِي بَيَانِ سَبَبِهِ، وَفِي بَيَانِ شَرْطِهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ.
(أَمَّا) أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ فَثَابِتٌ عِنْدَنَا اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَثْبُتَ أَصْلًا كَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَدِّ الضَّالَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: يَثْبُتُ بِالشَّرْطِ وَلَا يَثْبُتُ بِدُونِهِ حَتَّى لَوْ شَرَطَ الْآخِذُ الْجُعْلَ عَلَى الْمَالِكِ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.
(وَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ- رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّهُ رَدُّ مَالِ الْغَيْرِ عَلَيْهِ مُحْتَسِبًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ كَمَا لَوْ رَدَّ الضَّالَّةَ إلَّا إذَا شَرَطَ فَيَجِبُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».
(وَلَنَا) مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ- عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ- عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كُنْت قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ قَدِمَ فُلَانٌ بِإِبَاقٍ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ الْقَوْمُ: لَقَدْ أَصَابَ أَجْرًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَجُعْلًا إنْ شَاءَ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ دِرْهَمًا.
وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ فَيَكُونُ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّ جُعْلَ الْآبِقِ طَرِيقُ صِيَانَةٍ عَنْ الضَّيَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالطَّلَبِ عَادَةً إذْ لَيْسَ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ يُطْلَبُ هُنَاكَ فَلَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ لَضَاعَ وَلَا يُؤْخَذُ لِصَاحِبِهِ وَيَتَحَمَّلُ مُؤْنَةَ الْأَخْذِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ مَجَّانًا بِلَا عِوَضٍ عَادَةً وَإِذَا عَلِمَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ جُعْلًا يَحْمِلُ مَشَقَّةَ الْأَخْذِ وَالرَّدِّ طَمَعًا فِي الْجُعْلِ فَتَحْصُلُ الصِّيَانَةُ عَنْ الضَّيَاعِ فَكَانَ اسْتِحْقَاقُ الْجُعْلِ طَرِيقَ صِيَانَةِ الْآبِقِ عَنْ الضَّيَاع وَصِيَانَةُ الْمَالِ عَنْ الضَّيَاعِ وَاجِبٌ فَكَانَ الْمَالِكُ شَارِطًا لِلْأَجْرِ عِنْدَ الْأَخْذِ وَالرَّدِّ دَلَالَةً بِخِلَافِ الضَّالَّةِ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إذَا ضَلَّتْ فَإِنَّهَا تَرْعَى فِي الْمَرَاعِي الْمَأْلُوفَةِ فَيُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهَا بِالطَّلَبِ عَادَةً فَلَا تَضِيعُ دُونَ الْأَخْذِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الصِّيَانَةِ بِالْجُعَلِ، فَإِنْ أَخَذَهُ أَحَدٌ كَانَ فِي الْأَخْذِ وَالرَّدِّ مُحْتَسِبًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فَهُوَ الْفَرْقُ وَأَمَّا سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ الْجُعْلِ فَهُوَ الْأَخْذُ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ طَرِيقُ الصِّيَانَةِ عَلَى الْمَالِكِ وَهُوَ مَعْنَى التَّسَبُّبِ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ الِاسْتِحْقَاقِ:

وَأَمَّا شَرَائِطُ الِاسْتِحْقَاقِ فَأَنْوَاعٌ (مِنْهَا): الرَّدُّ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الصِّيَانَةَ تَحْصُلُ عِنْدَهُ وَهُوَ مَعْنَى الشَّرْطِ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ عِنْدَ وُجُودِهِ، حَتَّى لَوْ أَخَذَهُ فَمَاتَ أَوْ أَبِقَ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ الرَّدِّ لَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ وَلَوْ أَخَذَهُ فَأَبِقَ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ فَرَدَّهُ عَلَى الْمَالِكِ فَالْجُعْلُ لِلثَّانِي وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَمَّا أَبِقَ مِنْ يَدِهِ فَقَدْ انْفَسَخَ ذَلِكَ السَّبَبُ أَوْ بَقِيَ ذَلِكَ سَبَبًا مَحْضًا لِانْعِدَامِ شَرْطِهِ- وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى الْمَالِكِ- وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالشَّرْطُ مِنْ الثَّانِي فَكَانَ الْأَوَّلُ صَاحِبَ سَبَبٍ مَحْضٍ وَالسَّبَبُ الْمَحْضُ لَا حُكْمَ لَهُ، وَالثَّانِي صَاحِبَ عِلَّةٍ فَيَكُونُ الْجُعْلُ لَهُ.
وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ وَاحِدًا وَالْآبِقُ اثْنَيْنِ فَلَهُ جُعْلَانِ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ وَشَرْطِهِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ اثْنَيْنِ وَالْآبِقُ وَاحِدًا فَلَهُمَا جُعَلٌ وَاحِدٌ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ وَالشَّرْطِ.
وَلَوْ كَانَ الرَّادُّ وَاحِدًا وَالْآبِقُ وَاحِدًا وَالْمَالِكُ اثْنَيْنِ فَعَلَيْهِمَا جُعْلٌ وَاحِدٌ عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا.
وَلَوْ جَاءَ بِالْآبِقِ فَوَجَدَ الْمَالِكَ قَدْ مَاتَ فَلَهُ الْجُعْلُ فِي تَرِكَتِهِ لِوُجُودِ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى بِالرَّدِّ عَلَى التَّرِكَةِ، ثُمَّ إنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْعَبْدِ حَتَّى يُعْطَى الْجُعْلَ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ سِوَى الْعَبْدِ يُقَدَّمُ الْجُعْلُ عَلَى سَائِرِ الدُّيُونِ فَيُبَاعُ الْعَبْدُ وَيُبْدَأُ بِالْجُعْلِ مِنْ ثَمَنِهِ ثُمَّ يُقَسَّمُ الْبَاقِي بَيْنَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَقَّ بِحَبْسِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ لِاسْتِيفَاءِ الْجُعْلِ، فَكَانَ أَحَقَّ بِثَمَنِهِ بِقَدْرِ الْجُعْلِ كَالْمُرْتَهِنِ، هَذَا إذَا جَاءَ بِهِ أَجْنَبِيٌّ فَوَجَدَ الْمَالِكَ قَدْ مَاتَ فَأَمَّا إذَا جَاءَ بِهِ وَارِثُ الْمَيِّتِ فَوَجَدَ مُوَرِّثَهُ قَدْ مَاتَ فَلَهُ الْجُعْلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ- رَحِمَهُمَا اللَّهُ- إذَا كَانَ الْمَالِكُ حَيًّا وَقْتَ الْأَخْذِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا جُعْلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْأَخْذِ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى نَفْسِهِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا إنَّ الْمَجِيءَ بِهِ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَثَلًا فِي حَالِ حَيَاةِ الْمَالِكِ عَلَى قَصْدِ الرَّدِّ رُدَّ عَلَى الْمَالِكِ فَيَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ كَمَا إذَا وَجَدَهُ حَيًّا، وَلِهَذَا لَوْ كَانَ الرَّادُّ أَجْنَبِيًّا اسْتَحَقَّ الْجُعْلَ لِمَا قُلْنَا كَذَا هَذَا.
وَلَوْ جَاءَ بِهِ فَأَعْتَقَهُ مَوْلَاهُ قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ أَوْ بَاعَهُ مِنْهُ فَلَهُ الْجُعْلُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَجِيءَ بِهِ عَلَى قَصْدِ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ رَدٌّ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الْجُعْلُ بِرَدِّ الْآبِقِ الْمَرْهُونِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَشَرْطِهِ وَهُوَ الرَّدُّ عَلَى الْمَالِكِ، إلَّا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الصِّيَانَةِ رَجَعَتْ إلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ ضَاعَ يَسْقُطُ دَيْنُهُ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ فَإِذَا كَانَتْ الْمَنْفَعَةُ لَهُ كَانَتْ الْمَضَرَّةُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَسَوَاءً كَانَ الرَّادُّ بَالِغًا أَوْ صَبِيًّا حُرًّا أَوْ عَبْدًا؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ مِنْ أَهْلِ اسْتِحْقَاقِ الْأَجْرِ بِالْعَمَلِ وَكَذَا الْعَبْدُ إلَّا أَنَّ الْجُعْلَ لِمَوْلَاهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ مِلْكِ الْمَالِ- وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ-.
(وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَ الرَّادُّ عَلَى الْمَالِكِ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي عِيَالِهِ لَا جُعْلَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ وَارِثًا أَوْ أَجْنَبِيًّا؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ كَانَ الرَّدُّ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ رَدِّ الْمَالِكِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ كَانَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ عَامِلًا لِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّدِّ تَعُودُ إلَيْهِ وَمَنْ عَمِلَ لِنَفْسِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ الرَّادَّ إذَا كَانَ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ لَا جُعْلَ لَهُ كَائِنًا مَا كَانَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ كَائِنًا مَا كَانَ إلَّا الِابْنَ يَرُدُّ آبِقَ أَبِيهِ وَالزَّوْجَ يَرُدُّ آبِقَ زَوْجَتِهِ أَنَّهُ لَا جُعْلَ لَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي عِيَالِهِمَا؛ لِأَنَّ الِابْنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِ أَبِيهِ فَالرَّدُّ مِنْهُ يَجْرِي مَجْرَى الْخِدْمَةِ؛ لِأَبِيهِ، وَالِابْنُ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِخِدْمَةِ أَبِيهِ؛ لِأَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَ ابْنَهُ لَخِدْمَتِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِخِلَافِ الْأَبِ مَعَ مَا أَنَّ الْأَوْلَادَ فِي الْعَادَاتِ يَحْفَظُونَ أَمْوَالَ الْآبَاءِ لِطَمَعِ الِانْتِفَاعِ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِرْثَ فَكَانَ رَادًّا عَبْدَ نَفْسِهِ مَعْنًى إذْ كَانَ بِالرَّدِّ عَامِلًا لِنَفْسِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ، وَكَذَلِكَ الزَّوْجُ إذَا رَدَّ عَبْدَ زَوْجَتِهِ فَقَدْ رَدَّ عَبْدَ نَفْسِهِ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِمَا لِهَا عَادَةً وَكَذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ.
(وَأَمَّا) الْأَبُ إذَا رَدَّ عَبْدَ ابْنِهِ فَإِنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ لَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ الَّذِي فِي عِيَالِهِ لَا جُعْلَ لَهُ فَالْقَرَابَةُ أَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ؛ لِأَنَّ الْأَبَ لَا يُسْتَخْدَمُ طَبْعًا وَشَرْعًا وَعَقْلًا وَلِهَذَا لَوْ خَدَمَ بِالْأَجْرِ وَجَبَ الْأَجْرُ فَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْخِدْمَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى طَلَبِ الْأَجْرِ، وَكَذَا الْآبَاءُ لَا يَحْفَظُونَ أَمْوَالَ الْأَوْلَادِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا بِطَرِيقِ الْإِرْثِ لِأَنَّ مَوْتَهُمْ يَتَقَدَّمُ مَوْتَ الْأَوْلَادِ عَادَةً فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَى الرَّدِّ، وَالْعَمَلُ لِنَفْسِهِ لِذَلِكَ افْتَرَقَ الْأَمْرَانِ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ الْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الرَّادَّ إنْ كَانَ فِي عِيَالِ الْمَالِكِ لَا جُعْلَ لَهُ لِمَا قُلْنَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي عِيَالِهِ فَلَهُ الْجُعْلُ، وَعَلَى هَذَا الْوَصِيُّ إذَا رَدَّ عَبْدَ الْيَتِيمِ لَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْيَتِيمَ فِي عِيَالِهِ، وَحِفْظُ مَالِهِ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ عَلَى الرَّدِّ، وَكَذَا عَبْدُ الْوَصِيِّ إذَا رَدَّ عَبْدَ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّ رَدَّ عَبْدِهِ كَرَدِّهِ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَرْدُودُ مَرْقُوقًا مُطْلَقًا كَالْقِنِّ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ حَتَّى لَوْ كَانَ مُكَاتَبًا لَا جُعْلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْقُوقٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُوَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى مَكَاسِبِهِ حُرٌّ، وَلِهَذَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ مُطْلَقُ اسْمِ الْمَمْلُوكِ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إلَّا بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ وَلِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْجُعْلِ مَعْلُولٌ بِالصِّيَانَةِ عَنْ الضَّيَاعِ وَلَا حَاجَةَ إلَى الصِّيَانَةِ فِي الْمُكَاتَبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهْرَبُ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِي جَانِبِهِ غَيْرُ لَازِمٍ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَدَلِ الْكِتَابَةِ يُعَجِّزُ نَفْسَهُ بِالْإِبَاءِ عَنْ الْكَسْبِ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُمَا يُسْتَخْدَمَانِ عَادَةً فَلَعَلَّهُمَا يُكَلَّفَانِ مَا لَا يُطِيقَانِ فَيَحْمِلُهُمَا ذَلِكَ عَلَى الْهَرَبِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى الصِّيَانَةِ بِالْجُعْلِ كَمَا فِي الْقِنِّ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْقِنِّ أَنَّهُ إذَا جَاءَ بِالْقِنِّ وَقَدْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ فَلَهُ الْجُعْلُ، وَإِنَّ جَاءَ بِالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَقَدْ مَاتَ الْمَوْلَى قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ لَا جُعْلَ لَهُ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَلَمْ يُوجَدْ رَدُّ الْمَرْقُوقِ أَصْلًا فَلَا يَسْتَحِقُّ الْجُعْلَ بِخِلَافِ الْقِنِّ- وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ-.

.فَصْلٌ: بَيَانُ مَنْ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ:

وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ يُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: فَالْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ هُوَ الْمَالِكُ إذَا أَبِقَ مِنْ يَدِهِ لِأَنَّ الْجُعْلَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وَمَنْفَعَةُ الرَّدِّ عَائِدَةٌ إلَى الْمَالِكِ فَكَانَتْ الْمُؤْنَةُ عَلَيْهِ لِيَكُونَ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ وَلَوْ أَبَقَ عَبْدُ الرَّهْنِ مِنْ يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَالْجُعْلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الرَّدِّ تَعُودُ إلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْحَبْسِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنْ كَانَ فِي قِيمَةِ الْعَبْدِ فَضْلٌ عَلَى الدَّيْنِ يَجِبُ بِقَدْرِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَالزِّيَادَةُ عَلَى الرَّاهِنِ- وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ:

وَأَمَّا بَيَانُ قَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ فَيُنْظَرُ إنْ رَدَّهُ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا فَلَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا لِمَا رَوَيْنَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَإِنْ رَدَّهُ دُونَ ذَلِكَ فَبِحِسَابِهِ وَإِنْ رَدَّهُ مِنْ أَقْصَى الْمِصْرِ رَضَخَ لَهُ عَلَى قَدْرِ عَنَائِهِ وَتَعَبِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ إلَّا أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى مُدَّةِ السَّفَرِ سَقَطَ اعْتِبَارُهَا بِالشَّرْعِ فَيَبْقَى الْوَاجِبُ فِي الْمُدَّةِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ فَيَزْدَادُ بِزِيَادَتِهِ وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ هَذَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ الْجُعْلِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْجُعْلِ أَوْ أَنْقَصَ مِنْهُ يَنْقُصُ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَهُ الْجُعْلُ تَامًّا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ دِرْهَمًا وَاحِدًا وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ كُلِّ رَأْسٍ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا اعْتَبَرَ الرَّأْسَ دُونَ الْقِيمَةِ (وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْوَاجِبَ مَعْلُولٌ بِمَعْنَى الصِّيَانَةِ عَنْ الضَّيَاعِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا فَائِدَةَ فِي هَذِهِ الصِّيَانَةِ لَوْ اعْتَبَرْنَا الرَّأْسَ دُونَ الْقِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يُصَانُ مِنْ وَجْهٍ يَضِيعُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الضَّيَاعِ بِتَرْكِ الْأَخْذِ وَالْإِمْسَاكِ وَبَيْنَ الضَّيَاعِ بِالْجُعْلِ فلابد أَنْ يَنْقُصَ مِنْ قِيمَتِهِ دِرْهَمٌ لِيَكُونَ الصَّوْنُ بِالْأَخْذِ مُفِيدًا، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ قِيمَةُ كُلِّ رَأْسٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا تَوْفِيقًا بَيْنَ الدَّلَائِلِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

.كِتَابُ السِّبَاقِ:

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي تَفْسِيرِ السِّبَاقِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ جَوَازِهِ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ: فَالسِّبَاقُ فِعَالٌ مِنْ السَّبْقِ وَهُوَ أَنْ يُسَابِقَ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ فِي الْخَيْلِ أَوْ الْإِبِلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَقُولُ: إنْ سَبَقْتُك فَكَذَا أَوْ إنْ سَبَقْتَنِي فَكَذَا، وَيُسَمَّى أَيْضًا رِهَانًا فِعَالًا مِنْ الرَّهْنِ.

.فَصْلٌ: شَرَائِطُ جَوَازِهِ:

وَأَمَّا شَرَائِطُ جَوَازِهِ فَأَنْوَاعٌ:
(مِنْهَا) أَنْ يَكُونَ فِي الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْحَافِرِ وَالْخُفِّ وَالنَّصْلِ وَالْقَدَمِ لَا فِي غَيْرِهَا لِمَا رُوِيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «لَا سَبَقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نِصَالٍ» إلَّا أَنَّهُ زِيدَ عَلَيْهِ السَّبْقُ فِي الْقَدَمِ بِحَدِيثِ سَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَفِيمَا وَرَاءَهُ بَقِيَ عَلَى أَصْلِ النَّفْيِ؛ وَلِأَنَّهُ لَعِبٌ وَاللَّعِبُ حَرَامٌ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّ اللَّعِبَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَارَ مُسْتَثْنًى مِنْ التَّحْرِيمِ شَرْعًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «كُلُّ لَعِبٍ حَرَامٌ إلَّا مُلَاعَبَةَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَقَوْسَهُ وَفَرَسَهُ» حَرَّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كُلَّ لَعِبٍ وَاسْتَثْنَى الْمُلَاعَبَةَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَخْصُوصَةِ فَبَقِيَتْ الْمُلَاعَبَةُ بِمَا وَرَاءَهَا عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ إذْ الِاسْتِثْنَاءُ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي بَعْدَ الثُّنْيَا، وَكَذَا الْمُسَابَقَةُ بِالْخُفِّ صَارَتْ مُسْتَثْنَاةً مِنْ الْحَدِيثِ وَبِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْعَضْبَاءَ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تَسْبِقُ كُلَّمَا دُفِعَتْ فِي سِبَاقٍ فَدُفِعَتْ يَوْمًا فِي إبِلٍ فَسُبِقَتْ فَكَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَآبَةٌ إذْ سُبِقَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ النَّاسَ إذَا رَفَعُوا شَيْئًا أَوْ أَرَادُوا رَفْعَ شَيْءٍ وَضَعَهُ اللَّهُ» وَكَذَا السَّبْقُ بِالْقَدَمِ لِمَا رَوَتْ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: «سَابَقْت النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَسَبَقْتُهُ فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقُلْتُ: هَذَا بِتِلْكَ» فَصَارَتْ هَذِهِ الْأَنْوَاعُ مُسْتَثْنَاةً مِنْ التَّحْرِيمِ فَبَقِيَ مَا وَرَاءَهَا عَلَى أَصْلِ الْحُرْمَةِ؛ وَلِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا- وَهُوَ الرِّيَاضَةُ وَالِاسْتِعْدَادُ لِأَسْبَابِ الْجِهَادِ فِي الْجُمْلَةِ- فَكَانَتْ لَعِبًا صُورَةً وَرِيَاضَةً وَتَعَلُّمَ أَسْبَابِ الْجِهَادِ فَيَكُونُ جَائِزًا إذَا اسْتَجْمَعَ شَرَائِطَ الْجَوَازِ، وَلَئِنْ كَانَ لَعِبًا لَكِنَّ اللَّعِبَ إذَا تَعَلَّقَتْ بِهِ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ لَا يَكُونُ حَرَامًا، وَلِهَذَا اسْتَثْنَى مُلَاعَبَةَ الْأَهْلِ لِتَعَلُّقِ عَاقِبَةٍ حَمِيدَةٍ بِهَا وَهُوَ انْبِعَاثُ الشَّهْوَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى الْوَطْءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ التَّوَالُدِ وَالتَّنَاسُلِ وَالسُّكْنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْعَوَاقِبِ الْحَمِيدَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمُسْتَثْنَى فَبَقِيَ تَحْتَ الْمُسْتَثْنَى.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْخَطَرُ فِيهِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ إلَّا إذَا وَجَدَ فِيهِ مُحَلِّلًا حَتَّى لَوْ كَانَ الْخَطَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا وَلَمْ يُدْخِلَا فِيهِ مُحَلِّلًا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقِمَار نَحْوَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إنْ سَبَقَتْنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبَقْتُك فَلِي عَلَيْك كَذَا فَقَبِلَ الْآخَرُ وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا وَإِنْ سَبَقْتُك فَلَا شَيْءَ عَلَيْك فَهُوَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ الْخَطَرَ إذَا كَانَ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ لَا يَحْتَمِلُ الْقِمَارَ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيضِ عَلَى اسْتِعْدَادِ أَسْبَابِ الْجِهَادِ فِي الْجُمْلَةِ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ مَشْرُوعٌ كَالتَّنْفِيلِ مِنْ الْإِمَامِ وَبَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ هَذَا يَتَصَرَّفُ فِي مَالِ نَفْسِهِ بِالْبَدَلِ، وَالْإِمَامُ بِالتَّنْفِيلِ يَتَصَرَّفُ فِيمَا لِغَيْرِهِ فِيهِ حَقٌّ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ الْغَنِيمَةُ فَلَمَّا جَازَ ذَلِكَ فَهَذَا بِالْجَوَازِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْخَطَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَكِنْ أَدْخَلَا فِيهِ مُحَلِّلًا بِأَنْ كَانُوا ثَلَاثَةً لَكِنْ الْخَطَرُ مِنْ الِاثْنَيْنِ مِنْهُمْ وَلَا خَطَرَ مِنْ الثَّالِثِ، بَلْ إنْ سَبَقَ أَخَذَ الْخَطَرَ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَا يَغْرَمُ شَيْئًا، فَهَذَا مِمَّا لَا بَأْسَ بِهِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَلهُ السَّلَاطِينُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السُّلْطَانُ لِرَجُلَيْنِ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا فَلَهُ كَذَا فَهُوَ جَائِزٌ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّحْرِيضِ عَلَى اسْتِعْدَادِ أَسْبَابِ الْجِهَادِ خُصُوصًا مِنْ السُّلْطَانِ فَكَانَتْ مُلْحَقَةً بِأَسْبَابِ الْجِهَادِ، ثُمَّ الْإِمَامُ إذَا حَرَّضَ وَاحِدًا مِنْ الْغُزَاةِ عَلَى الْجِهَادِ بِأَنْ قَالَ: مَنْ دَخَلَ هَذَا الْحِصْنَ أَوَّلًا فَلَهُ مِنْ النَّفْلِ كَذَا وَنَحْوَهُ جَازَ كَذَا هَذَا، وَبَلْ أَوْلَى لِمَا بَيَّنَّا.
(وَمِنْهَا) أَنْ تَكُونَ الْمُسَابَقَةُ فِيمَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَسْبِقَ وَيُسْبَقَ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ فِيمَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَسْبِقُ غَالِبًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى التَّحْرِيضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا يَتَحَقَّقُ فَبَقِيَ الرِّهَانُ الْتِزَامُ الْمَالِ بِشَرْطٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَيَكُونُ عَبَثًا وَلَعِبًا- وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ-.